السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
711
مختصر الميزان في تفسير القرآن
هذا التركيب يدل على أن الحكم للهيئة الاجتماعية من الأفراد وهو المجتمع ، وأن الاستثناء لدفع توهم استغراق الحكم واستيعابه لجميع الأفراد ، ولذلك كان هذا الاستثناء أشبه بالمنفصل منه بالمتصل أو هو برزخ بين الاستثناءين : المتصل والمنفصل لكونه ذا جنبتين . على هذا فقوله « ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ » وارد مورد الإخبار عن حال الجملة المجتمعة أنهم لا يمتثلون الأحكام والتكاليف الحرجية الشاقة التي تماس ما يتعلق به قلوبهم تعلق الحب الشديد كنفوسهم وديارهم ، واستثناء القليل لدفع التوهم . فالمعنى : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا أي فرضنا عليهم قتل أنفسهم والخروج من ديارهم وأوطانهم المألوفة لهم ما فعلوه أي لم يمتثلوا أمرنا ، ثم لما استشعر أن قوله : ما فَعَلُوهُ يوهم أن ليس فيهم من هو مؤمن حقا مسلم لحكم اللّه حقيقة دفع ذلك باستثناء القليل منهم ، ولم يكن يشمله الحكم حقيقة لأن الإخبار عن حال المجتمع من حيث إنه مجتمع ولم تكن الأفراد داخلة فيه إلّا بتبع الجملة . ومن هنا يظهر أن المراد قتل الجملة الجملة وخروج الجملة وجلاؤهم من جملة ديارهم كالبلدة والقرية دون قتل كل واحد نفسه ، وخروجه من داره كما في قوله تعالى : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ( البقرة / 54 ) ، فإن المقصود بالخطاب هو الجماعة دون الأفراد . قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً في تبديل الكتابة في قوله : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ، بالوعظ في قوله : ما يُوعَظُونَ بِهِ إشارة إلى أن هذه الأحكام الظاهرة في صورة الأمر والفرض ليست إلّا إشارات إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم فهي في الحقيقة مواعظ ونصائح يراد بها خيرهم وصلاحهم . وقوله : لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي في جميع ما يتعلق بهم من أولاهم وأخراهم ، وذلك أن خير الآخرة لا ينفك من خير الدنيا بل يستتبعه ، وقوله « وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً » أي لنفوسهم وقلوبهم بالإيمان لأن الكلام فيه ، قال تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ الآية